السيد كمال الحيدري
16
شرح بداية الحكمة
ولكي تفاض الصورة على موجود لابد من وجود شرائط خاصة تسمى بالعلل المعدّة ، تهيّئ المادة ( الأعم من المادة الأولى والمادة الثانية ) وتعدّها لكي تستقبل الصورة الحقيقية من الحقّ سبحانه . فكل سلسلة عالم الإمكان هي شرائط معدّة لإفاضة الحق سبحانه وتعالى . وما يقال من أن العقل الأول علّة للعقل الثاني ، لا يراد بالعلة هنا العلة الحقيقية المعطية للوجود ، وإنما يراد بذلك العلة المعدّة . ولكي يفاض الوجود على عالم المادة يحتاج إلى شرط وهو أن يكون مسبوقاً بالعقل الأول . ولكي يفاض الوجود على عالم المادة يحتاج إلى شرط وهو أن يكون مسبوقاً بعالم المثال وبعالم العقل . لا بمعنى أن عالم العقل والمثال هما علّة حقيقية لعالم المادة بل إنّ العلة الحقيقية هو الله تعالى . من هنا فمعنى قولهم ) لا مؤثر في الوجود سوى الله ( هو أن الإيجاد منحصر بالله سبحانه وتعالى ، وكل ما عداه فواعل معدّة ، لا فواعل حقيقية . وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في موردين ، ففي قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 1 » عمل الفلّاح هنا ليس هو الزرع ، بل هو الإعداد لأن يفاض الزرع من الله سبحانه وتعالى ، وكذلك الصورة النوعية . وفي قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ « 2 » عمل الإنسان هنا ليس هو إيجاد النطفة ، فالخلق حقيقة منه سبحانه وتعالى ، وإنما عمل الإنسان هنا هو علّة إعدادية وشرط لإفاضة الصور من الله تعالى .
--> ( 1 ) الواقعة : 63 - 64 . ( 2 ) الواقعة : 58 - 59 .